الماء الذي سينزل من تحت العرش
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
روى مسلم في صحيحه أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «... يُنْزِلُ الله مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ... فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ»().
والطَلُّ: أي المطر الضعيف الصغير القطر، فينبت منه أي من أجله وسببه أجساد الناس().
قال النووي: كأنه الطل: قال العلماء: وهو كقوله في الحديث الآخر: أنه كمني الرجال().
وفي هذا السياق جاء قول ابن مسعود -واصفًا هذا الماء في إعادة الخلق بماء الخلق- قال رضي الله عنه: «... ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم خلق إلا منه شيء. قال: فيرسل الله ماءً من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما ينبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله: {ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ}...»().
وموضوع هذا الحديث هو إعادة الخلق كما بدأه الله كما في قوله سبحانه: {ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ} [الأنبياء: 104] وكلمة "كما بدأنا " تدل على التماثل المطلق بين البدء والإعادة، وقد بدأ الله الخلق من الماء {ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ} وقال: {ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ}.
ووفقا لحقيقة البدء والإعادة الواردة في الآيات كان لابد من التماثل بينهما.. بأن تكون إعادة الإنسان: من الماء، وأن يكون هذا الماء من تحت العرش.
ومن هنا جاء في نفس الآية بعد قول الله {ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ} قول الله سبحانه: {ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ}.
وقول الله سبحانه في الآية { ﭹ ﭺ ﭻ } فيه دلالة على الموضوع.
{ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ} [هود: 7]
وحقيقة البدء والإعادة تتم من خلال سنن الله الثابتة، ومنها السببية، التي تقتضي أن يكون الماء الذي سينزل من تحت العرش.. كمني الرجال، الذي كان منه خلق الإنسان.
وبذلك كان وصف الماء كمني الرجال له دلالة محددة
والدلالة بالوصف قاعدة عامة تضمنها القرآن والسنة.
منها: ما ورد في هذا الحديث وهي قول رسول الله في الإسراء «فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه قال أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك الرجل السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي جمع الحجارة فيفغر فاه فيلقمه حجرا»() وهذا الرجل الذي يسبح هو المرابي، ودلالة وصف الماء بالدم متعلق بالربا باعتبار أن الدم والمال لهما قيمة واحدة وهي الحياة، ولذلك غالبا ما يوصف المال بكلمة معروفة وهي «المال شريان الحياة»، باعتبار أن السببية سنة أساسية لا تغيب في كل أحوال الخلق سواء كانت في الدنيا أو آخر الزمان وسواء كانت طبيعية أو خارقة.
ومنها: قوله سبحانه لمريم بنت عمران وهي نفساء: {ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ}. مع أن النساء في حالة الوضع ليس بهن قوة – بل إن الرجل الشديد لو هز نخلة ما استطاع أن يسقط منها رطبا ولكنه الإثبات لمبدأ السببية حتى في المعجزة والكرامة.
وهو ما روي عن عبد الله بن مسعود: «فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما ينبت الأرض من الثرى»، دليل على أن المنهجية القرآنية هي أساس إثبات وتصور السنن الثابتة في كل مراحل الوجود البشري باعتبار أن القرآن هو الناموس الجامع لسنن الله الكونية والشرعية في بداية الخلق وفي إعادته.
ومن هنا جاء في مواضع كثيرة من القرآن الارتباط بين نزول المطر من السماء وبين البعث وإعادة الإنسان يوم القيامة ().
ولكن سورة السجدة جاء فيها الربط بين عناصر الموضوع كاملة:
بين العرش، وإعادة الخلق، وماء الرجال (الماء المهين) وذلك في قوله تعالى: {ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ}.فارتباط الخلق بالعرش يجعل إعادة الخلق -كما بدأه الله- مرتبطة بالعرش.
{ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ} وهي إعادة الخلق كما قال أكثر المفسرين أن المقصود هو انقضاء الدنيا وإعادة الخلق إلى الله عز وجل.
ومنهم الإمام القرطبي، قال: {ﮑ ﮒ ﮓ} أي يرجع ذلك الأمر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا {ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ} وهو يوم القيامة().
والثعلبي يقول: يُدَّبِرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرض مدّة أيّام الدنيا ، ثمّ يَعْرُجُ إليه الأمر والتدبير ، ويرجع يعود إليه بعد انقضاء الدنيا وفنائها {ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ} وهو يوم القيامة.وغيرهم كثير().
{ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ}.
ثم يأتي ذكر خلق الإنسان: {ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ}.
ثم يأتي ذكر الماء الذي خلق منه الإنسان: {ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ}.
ووصف الماء المهين لتكون قيمة الإنسان بداية من النفخ فيه من روح الله، ولذلك جاء بعدها:
{ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ}.
ثم تجيء الصورة التي سيكون عليها الناس تحت التراب والتي جعلت الكفار ينكرون البعث:
{ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ} وكلمة «ضللنا» تصف حالة التحول إلى تراب وذهابه في الأرض.
ولكن تفسير موقفهم هو الكفر بلقاء الله {ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ}.
{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون}
ثم الربط بين البعث -وهو الرجوع إلى الله سبحانه- والماء الذي يكون به الزرع: {ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ}.
يبقى القول بأن كلمة «مني » ينظر إليها من زاويتين:
زاوية كونه مادة خلق الإنسان، وهي الزاوية الطبيعية التي يتناولها الناس بلا أي حرج.
وزاوية جنسية مخجلة ومحرجة، تناولتها التوراة (المحرفة)، ولا نستطيع ذكرها لكنهم يعرفونها جيدًا ويمرون عليها مسرعين في قراءتهم لكتاباتهم المقدسة().
كما يبقى القول بأن العرش فرقان بين الخلق والخالق:
«فكل ما تحت العرش مخلوق».
فلا صلة بين ذات الله سبحانه وتعالى وبين الماء الذي سينزل من تحت العرش.
والله مستويًا على عرشه استواءً يليق بجلال قدرته وعظيم سلطانه، كما هي عقيدتنا:
«الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».
ولكن المشكلة عند مثيري هذه الشبهات.. هي فقدان هذا الفرقان الذي، فأضاعوا بذلك دينهم وعقولهم؛ مما جعلهم يقولون في ديننا ما حرفوا به دينهم.
() صحيح مسلم ح7568.
() مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح.
() النووي/مسلم. والطَّلُّ: اللَّبَنُ ، يُقالُ: ما بِالنَّاقَةِ طَلٌّ ، أي ما بِها لبنٌ انظر: تاج العروس وغيره من معاجم اللغة.
() قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي قي التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.
() الجمع بين الصحيحين ح607.
() والتي تضمنها قول الله عز وجل في سورة ق {ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ} [ق: 9 - 11] حتى جاءت آخر السورة لتصف البعث بنفس اللفظ " الخروج " {ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ}.
() الجامع لأحكام القرآن (14/86).
() الكشف والبيان (7/327).
() وسلهم عن حوار المومسات الوارد في التوراة وهن يصفن لبعضهن مني الرجال، ويقارن بينه وبين مني الحمير!!