عجب الذنب
التاريخ: الأربعاء 30 ديسمبر 2009
الموضوع: PHP-Nuke


 

عجب الذنب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .

ماهيته:
قال القرطبي فيه: هو جزء لطيف في أصل الصلب وقيل: هو رأس العصعص، منه خلق ومنه يركب؛ أي أول ما خلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى([1]).
وهو الوارد في قول رسول الله ﷺ: «وَيَبْلَى كُلّ شَيْء مِنْ الْإِنْسَان إِلَّا عَجْب ذَنَبه، فِيهِ يُرَكَّب الْخَلْق» رواه البخاري.
فِي رِوَايَة مُسْلِم: «لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَان شَيْء إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا» الْحَدِيث.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ: «كُلّ اِبْن آدَم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عَجْب الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّب».
وَلَهُ مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: «إِنَّ فِي الْإِنْسَان عَظْمًا لَا تَأْكُلهُ الْأَرْض أَبَدًا، فِيهِ يُرَكَّب يَوْمَ الْقِيَامَة. قَالُوا: أَيّ عَظْم هُوَ؟ قَالَ: عَجْب الذَّنَب».
الحكمة من بقائه:


لأن الإنسان ينبت كما ينبت النبات كما قال الله سبحانه: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}.
وقوله: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}، يعني: خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظامًا رميمًا.
وقوله: {وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}.
وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، إلى غير ذلك من الآيات.
وهو تفسير قول الله عز وجل: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي}.
قال الضحاك في قوله سبحانه تعالى:{فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد، فيأتون الله كما خلقهم أول مرّة.
وعن عكرِمة في هذه الآية: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}: إلى الجسد. ([2]).
ويكون ذلك وفقًا لسنة البقية في الخلق. وهي من سنن الله التي يكون بها الاستمرار.
وأشهر مظاهر الخلق الدالة على سنة «البقية» .. بذور النبات التي يبقى بها نوع النبات.
وسنة «البقية» سنة قائمة حتى في المعجزات، ومن ذلك ضرورة وجود بقية من الماء. يضع فيها رسول الله ﷺ يده فيها لينبع الماء من بين أصابعه([3]).
عدم الرؤية:
ولا عبرة بالمحسوس في الأمور الغيبية  كما هو في عذاب القبر.. ولذلك لا نراه؛ لأنه من الغيب الذي حجبه الله عن الإنسان في الدنيا مثلما حجب صوت عذاب القبر عن الثقلين.
عن أنس عن النبي ﷺ قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم.
وفي حديث محمد بن منهال: إنه ليسمع خفق نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة قال النبي ﷺ فيراهما جميعًا. قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره ثم رجع إلى حديث أنس: وأما الكافر أو المنافق -وفي رواية عبد الأعلى عن سعيد وأما الكافر والمنافق- فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين([4]).
وإخبار الرسول ﷺ ببقائه لا يعني رؤيته؛ لأن بقاءه ليس علامة لنا ولكنه علامة للملائكة الموكلة بالبعث مثل الملائكة الموكلة بالخلق.
قال ابن الجوزي: قال ابن عقيل: ... أن يكُون ذلك جُعل علامةً للملائكة على إحياء كُل إنسان بجوهره، ولا يحصُل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كُل شخص ليُعلم أنهُ إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جُزء منها([5]).
روي عن النبي ﷺ قال: «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب» هذا حديث صحيح رواه أهل الضبط المؤتمنون على الرواية، ولا استحالة فيه كما قال أهل الجهل والعناد بأنه يرده العيان؛ لأن الميت قد يحرق وقد يُكشف بعد مدة لحْدُه؛ فلا يوجد منه شيء. لكنه لا ينكر في لطيف قدرة الله تعالى حفظ ذلك المقدار الذي أخبر من لا ينطق عن الهوى ببقائه فلا يأكله التراب ولا تحرقه النار، وإن لم ندركه بحواسنا، وقد وقى الله خليله من نار نمرود وأخبر عن لقمان قوله: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} إلى قوله: {إن الله لطيف خبير} فإن الله تعالى حافظ ذلك المقدار من الفناء حتى يعيده بشرًا سويًّا ويركب فيه خلقًا جديدًا([6]).
والغرابة في إثارة النصارى لهذه الشبهة رغم أنهم يقولون بالقول بالبذرة التي ينبت منها الإنسان، فيقول كتاب علم اللاهوت النظامي: اعترض البعض بأن ذلك غير معقول؛ لأن الجسد بعد الموت ينحل إلى عناصره الأصـلية، وربما صار بعد ذلك جزءًا من التراب يدخل في النباتات التي تأكلها الحيوانات، والحيوانات يأكلها البشر، ولذلك تدخل أجساد موتى الناس في أجساد أحيائهم، فلا يمكن أن يرجع كل جسد بدقائقه الأصلية..
فنجيب: إن الكتاب المقدس لا يقول: إن دقائق الجسد نفسها ترجع في القيامة، بل يقول «الذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير، بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقي. ولكن الله يعطيها جسمًا كما أراد. ولكل واحد من البذور جسمه»([7]).
وهكذا يتبين جهل أصحاب هذه الشبهات بما عندهم ....
وأنهم يظنون بإثارتهم لها وجمعها من كل طريق أنها تباعد بين المسلمين وبين دينهم خيب الله ظنهم وردهم على أعقابهم خاسرين
 

([1]) شرح السيوطي لسنن النسائي ( 4/ 112).
([2]) تفسير الطبري (24/425).
([3]) والحديث في البخاري: «عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه، قال: أنس فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس: فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين» ح197، ومسلم ح6080.
([4]) الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم (2 /438).
([5]) فتح الباري لابن حجر (8/552).
([6]) المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (1/121).
([7]) (1كو 15: 37).






أتى هذا المقال من موقع الجواب الصحيح
www.aljwab.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.aljwab.com/modules.php?name=News&file=article&sid=83