محاوولة التردي
التاريخ: الأحد 01 نوفمبر 2009
الموضوع:


 

محاولة التردي

قالوا: إن رسول الله قال: «من تَرَدَّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدا»([1]).. بينما حاول هو قتل نفسه بالترَدِّي من قمة الجبل!!

وساقوا هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري: (باب أول ما بُدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة. أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها.

حتى فَجَأَهُ الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، فقال النبي : «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿        ﭿ   »



فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: «زمِّلوني زمِّلوني» فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: «يا خديجة، ما لي؟!» وأخبرها الخبر، وقال: «قد خَشِيتُ على نَفْسِي» فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة -أخي أبيها- وكان امرأ تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عمِّ، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره النبي ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، أكون حيًّا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله : «أَوَمُخْرِجِيَّ هم..؟!»

فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا.

ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ، فيما بلغنا، حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدَّى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًّا. فيسكن لذلك جأشه، وتقرُّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك)([2]).

هذه هي الشبهة، وتلك أدلتها..

وقبل أن نناقشها نريد أن نلفت الانتباه إلى قول الزهري راوي الحديث: (فيما بلغنا)..

وهو ما يسمَّى في علم الحديث بالإدراج، أي: أنها من قول الراوي وليست من قول الرسول ، وبالتالي فقد يكون..

والآن نناقش الشبهة:

أولا: يجب أن نتفق على أن هذا الفعل كان قبل نزول الأحكام الشرعية، ومن ضمنها حكم قتل النفس، ومن هنا لا يجوز لنا أن نُكيِّف فعل رسول الله وقتها أيَّ تكييف شرعي؛ لأن التكييف الشرعي للأفعال المحسوسة لا يكون إلا بحكم، وبذلك يكون من الخطأ أن نقول: إنها محاولة انتحار؛ لأن الانتحار هو قتل النفس مع وجود حكم النهي عن ذلك.

ولعل التدرج في تحريم شرب الخمر يكون دليلًا على اعتبار المرحلة الشرعية في تقييم الأفعال..

فقد ظل الناس يشربون الخمر بعد التحريم الجزئي المتعلق بالنهي عن شرب الخمر في وقت الصلاة، حتى نزل التحريم النهائي فامتنع الناس.

ثانيًا: إذا أردنا أن نسقط اعتبار عدم نزول حكم قتل النفس، وأردنا تقييم الموقف باعتبار حرمة الفعل، نكون مطالبين عندئذ بالأخذ بكل أحكام الشريعة، ومنها قول رسول الله : «إن ربكم تبارك وتعالى رحيم، من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرة إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله تعالى إلا هالك»([3]) ‏

وبذلك يكون رسول الله مأجورًا من الله على الامتناع عن الفعل بعد أن همَّ به.

ثالثًا: أن هذه المحاولة هي دليل على أن الوحي كان من الله ولم يكن لرسول الله أو لأحد من البشر فيه حيلة، وإلا لما بلغ الرسول هذه الحالة النفسية، وقد تكرر غياب الوحي عن رسول الله بعد ذلك، وحزن رسول الله حزنًا شديدًا ثم نزل الوحيُ ومعه قول الله عز وجل: ﴿            [الضحى: 1، 2].

رابعًا: يبقى من الموقف التفسير النفسي، فلماذا حاول رسول الله هذه المحاولة؟

ووجه الغرابة في الأذهان جاء من عدم إدراك حقيقة علاقة الوحي برسول الله .. فالوحي حياة.. ﴿           [الشورى: 52].

والمقصود: هو جبريل، وهو ملك الوحي وملك الحياة، ولذلك كان الوحي حياة باعتبارهما وظيفة واحدة لملك واحد، ومن هنا كان مثل الذي يقرأ القرآن والذي لا يقرأه مثل الحي والميت، وكذلك مثل الوحي كالماء الذي ينزل من السماء وكان مَثَلُ الذي لا يستجيب للقرآن مثل الأرض البور ﴿        [الفتح: 12].

ووصف الوحي بالحياة ليس مجازيًا؛ لأن هناك آثار حسية للقرآن في كيان الإنسان، فالقرآن للاستشفاء، ولذلك جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿                            [الفرقان: 30] أي: تركوا الحكم به والاستشفاء به وتلاوته، حتى كانت الفاتحة رقية من السم، إذ إن الرجل الذي لدغته العقرب قام وكأن لم يكن به وجع بعد قراءة الفاتحة عليه.

ولذلك سأل النبي الله قائلا: «أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي»([4]) ‏

فالحياة بالقلب، وأجمل الحياة هي الربيع، فكان القرآن أجمل حياة، وليس مجرد حياة، ولأجل أن القرآن أجمل حياة لا يتفق أن يُردَّ صاحب القرآن إلى أرذل العمر..!

وإذا كان هذا الأمر بالنسبة للمؤمنين فما هو أثر الوحي بالنسبة لرسول الله ؟

لقد كان معنى الوحي بالنسبة لرسول الله حياته هو؛ لأنه هو الذي تلقى، وهو الذي بلَّغ، ولذلك كان لهذا الأمر عدة مقتضيات:

أولًا: أن يتنزل الوحي على قلب النبي ، والحياة لا تكون إلا بالقلب ﴿على قلبك لتكون من المنذرين [الشعراء: 194] ولذلك كان قلب رسول الله لا يغفل «تنام عيناه، ولا ينام قلبه»([5]) ‏وفي ذلك كان عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي..([6]) ‏لأنه يتلقى الوحي بقلبه، وقلبه لا يغفل.

ولأجل أهمية معنى الوحي كحياة بالنسبة لرسول الله كان لحياته اعتبارين: الاعتبار الرسالي، والاعتبار الشخصي، فلما انتهى الاعتبار الرسالي، خُيِّر في الحياة بالاعتبار الشخصي، فاختار الموت، لترتبط حياته بالاعتبار الرسالي فقط، ولتكون حياته هي الوحي فقط، وبذلك يكون الوحي فقط: هو حياة الرسول ..!

ومعنى تخيير رسول الله بعد انتهاء الوحي للحياة أو الموت هو أن حياته في حال نزول الوحي هي حياة متعلقة بالوحي كلية، وأن حياته بالاعتبار الشخصي مسألة أخرى يخير فيها.. ولذلك جاء قول الله عز وجل: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح [النصر: 1] وكانت آخر ما نزل من القرآن من السور.

قال رسول الله : «إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله» فبكى أبو بكر فقال الصحابة: ما بال الشيخ يبكي؟!([7]) لأنهم لم يدركوا ما أدركه أبو بكر، وكان آخر ما قاله الرسول : «بل الرفيق الأعلى»([8]) ‏فقالت فاطمة: إذن لا يختارنا، ولذلك قال ابن عباس في تفسيرها: (ينعي بها الله أجل رسوله ).

وبناء على هذا الفهم كانت علاقة رسول الله بجبريل، فكان جبريل ضرورة حياة بالنسبة للرسول، حتى إن جبريل كان يدارس الرسول مرة كل عام، فلما كان العام الذي مات فيه دارسه القرآن مرتين، وذلك لحساب الأيام التي يعيشها دون أن يدرك رمضان بعد ذلك، وكان رسول الله لا يطيق غيابه، حتى أنه سأله: «ألا تزورنا أكثر مما تزورنا» فأنزل الله: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك [مريم: 64](([9]) فلما غاب عنه بعد نزول الوحي في أول الأمر لم يتحمل أن يعيش بغير وحي، ولكن جبريل كان يظهر له عندما يكون في هذه الحالة فيقول له: «أنت رسول الله وأنا جبريل» فيطمئن وتذهب الحالة التي هو فيها، ثم يعود فيظهر له جبريل فيقول: «أنت رسول الله وأنا جبريل» ويتكرر الموقف حتى أصبح رسول الله يملك القدرة على تَحمُّل غياب الوحي، كما كان يملك القدرة على تحمل الوحي نفسه، فقد كان هذا التحمل في الحالتين ضرورة رسالة ونبوة ووحي.

فكما ارتبطت حياة الرسول بالرسالة حتى النهاية كان موقف محاولة الرسول تحقيقًا لهذا الارتباط من البداية؛ لأن رسول الله كان يمتنع عن المحاولة كلما جاءه جبريل وقال له: «أنت رسول الله وأنا جبريل»([10]) ‏فأصبحت حياة رسول الله من بدايتها إلى نهايتها هي الرسالة.

ولعلنا نلاحظ ارتباط رسول الله بالوحي من رفضه للحياة بعد انتهاء الرسالة، واختياره الموت ..

«فاختار ما عند الله» .. «بل الرفيق الأعلى».

ثانيًا: أن الموقف يثبت الإرادة الإلهية في بعثة رسول الله لأن حياة رسول الله كانت بقدر؛ ابتداء من نجاة إسماعيل من الذبح ليكون له نسل ويكون من نسله رسول الله ومرورًا بنجاة عبد الله أبي رسول الله من الذبح أيضًا بعد أن نذر عبد المطلب جد رسول الله أن يذبح أحد أبنائه في الكعبة، فاقترح عليه الناس أن يفتديه من هذا الذبح بمائة من الإبل، وانتهاء بهذا الموقف الذي أكد أن الرسالة كانت هي الحكمة الربانية لحياة رسول الله .

 

([1]) البخاري (5442)، مسلم (109)..

([2])البخاري (6581).

([3]) أحمد (2519) من حديث ابن عباس.

([4]) أحمد (4318) من حديث ابن مسعود.

([5]) مسلم (1829).

([6]) المصدر السابق.

([7]) البخاري (454)، مسلم (274).

([8]) أحمد (26389).

([9]) البخاري (3046)..

([10]) البخاري (6581) بنحوه.







أتى هذا المقال من موقع الجواب الصحيح
www.aljwab.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.aljwab.com/modules.php?name=News&file=article&sid=81