الشبهات والمتشابهات
يقول ابن منظور في لسان العرب: شبَّه عليهِ الأمر: لبَّسهُ عليهِ.
واشتبه عليَّ الأمر: خفي والتبس، واشتبهتُ في المسأَلة: شككت في صحَّتها.
والشُّبْهة: الالتباس والمِثْل.
وقيل الشُّبْهة: اسم من الاشتباه، وهي ما يشتبه عليك أمرهُ.
ومنهُ قول الحريري في مقدَّمة مقاماتهِ: ونستغفرك من سَوْق الشهوات إلى سُوق الشُّبُهات).
وما نعنيه هنا هو «الشبهات» المطروحة من خارج إطار المنهج الإسلامي، والتي تُلقى على العقل المسلم بغرض تشكيكه في دينه..
تحليل ظاهرة الشبهات
الشبهات ظاهرة معرفية إنسانية عامة، وذلك أن المعرفة الإنسانية عبارة عن رموز لفظية أو شكلية تدل على مجموعة من المعاني..
وقد اقتضى سعي الإنسان لاستيعاب أكبر قدر من المعاني والدلائل.. استخدام أقل قدر من الرموز في التعبير عن أكبر قدر من المعاني..
مما أوجد حالات المرادفات المتعددة للكلمة الواحدة..
والاستخدام المتباين لنفس الألفاظ في سياقات مختلفة بمعانٍ متفاوتة..
وإمكانية تأويل النصوص بأكثر من طريقة بناءً على زاوية الفهم، وقاعدة النظر، وطبيعة المتلقي..
ومن هنا نشأت قضية الشبهات التي هي عبارة عن نصوص «آيات أو أحاديث» يفهم منها أكثر من معنى بالنسبة للزاوية التي يتم تناولها من خلالها..
وهو ما أكدته آية آل عمران {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7].
فالنص المحكم.. هو الذي لا يدل إلا على معنى واحد..
والنص المتشابه هو ما دلَّ على أكثر من معنى.. منه الحق ومنه الباطل..
وهو ما جعل الشبهات أداة قدرية للهدى والضلال..
فيكون النص الواحد هدى وشفاء للمؤمنين.. وعمىً وضلالاً للكافرين.. {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} [فصلت: 44].
يقول الإمام ابن القيم: (هذا حال القلوب عند ورود الحق المنزَّل عليها: قلبٌ يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب يزداد به إيمانًا وتصديقًا، وقلب يتيقنه فتقوم عليه به الحجة، وقلب يوجِبُ له حيرة وعمى، فلا يدري ما يراد به)([1])
فالشبهة هي محاولة إحداث خلل في فهم وتناول النصوص، من خلال التأثير على النص الأصلي لاختلاق تناقض في المعنى بأساليب متعددة.. منها:
- انتزاع النص وبتره من سياقه الأصلي..
- الزيادة أو النقصان من ألفاظ النص..
- إفقاد النص مقوماته الأساسية وتحويره واستباقه بمقدمات مصطنعة لدفع الفهم باتجاه مُعيَّن..
- تضييع إحداثيات النص وإخراجه من إطار الإحكام المنهجي الإسلامي..
- حشد وتجميع النصوص المدسوسة وتقديمها على أنها نصوص قطعية..
- إلزام النص بما ليس من لوازمه..
ومن حيث الواقع الذي تُلْقى فيه الشبهات: فهناك عوامل أساسية لتفسير أسباب ظهور الشبهات وتأثيرها.. وهي: قلة العلم، غلبة الجهل، وشيوع الفواحش والكبائر..
يقول الإمام ابن القيم: (لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة.. صحيح ومريض وميِّت..
فالقلب الصحيح: هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون* إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 88، 89].
وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره..
فسَلِمَ من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله..
فسَلِمَ في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق، وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده..
فالقلب السليم: هو الذي سَلِمَ من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد