الاجابة على سؤال الأخ خالد سعيد
السؤال “بالنظر في كتاب الله وسنة رسوله عليه وعلى آله السلام وكتب أهل العلم وجدت أن أغلب شبهات أهل الكتاب مقتبسة من أباطيل وضلالات الفرق الضالة كالرافضة وغيرها فما هي المنظومة العامة الإجمالية لا التفصيلية لتفنيد تلكم الأباطيل.”
الإجابة
بسم الله
جاءت أباطيل الفرق من الخلل في قضية الأسماء والصفات والأفعال
وهو نفس الخلل الذي ضل منه النصارى
وبذلك يصبح الفهم السلفي لقضية الأسماء والصفات الأفعال هو المنظومة العامة الإجمالية لتفنيد تلكم الأباطيل
فالتعريف الإسلامي بالله .. أول ضمانات الصواب في العقيدة ..
والإطار الجامع للتعريف بالله .. هو موضوع أسماء الله الحسنى ..
لذلك كان هذا الموضوع هو أساس الدراسة السلفية لقضية عيسى ابن مريم ..
لأن التعريف بالله أساسه نفي الولد عن الله .. بدليل خواتيم سورة الإسراء، التي جاء فيها الارتباط بين قضية الأسماء الحسنى ونفي ادِّعاء الولد لله سبحانه وتعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا*وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 110-111].
فلما أثبت الله لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى .. نزه نَفْسَه -سبحانه- عن النقائص واتخاذ الولد، والشريك في الملك، وكذلك عن أن يكون له ولي أو وزير أو مشير: {ولم يكن له ولي من الذل} أي: ليس بذليل، فيحتاج إلى ذلك.
وبدليل قول الله عز وجل: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا*الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 1-2].
ومن هنا كان الخلل في قضية «التعريف بالله» هو بداية الانحراف في النصرانية.
وكان الخلل في قضية «الأسماء والصفات» هو بداية الانحراف في قضية «التعريف بالله».
وبذلك أصبح ادِّعاء الولد لله هو النقيض الأساسي للتصور الصحيح للأسماء والصفات.
وأصبحت عناصر الخلل في تصور الأسماء والصفات هي نفسها عناصر الانحراف في النصرانية.
وأخطر مثال لعناصر هذا الخلل: فقدان العلاقة بين اسم الله «الرحمن» واسم الله «القدير» ..فعندما أحدث النصارى بدعة «الكفَّارة» ارتكزوا على معنى الرحمة دون معنى القدرة ..فقالوا: إن خطيئة آدم تستوجب الموت: (أجرة الخطية هي موت) (رومية 23: 6) .. وكان لا بد من كفارة تُرفع بها الخطيئة، فأنزل الله ابنه الوحيد ليصلب (!!) ولتكون الكفارة - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-.
ولو أن معنى القدرة على المغفرة كان قائمًا مع معنى الرحمة .. لكان رفع الخطيئة أمرًا يسيرًا ..
وخصوصًا أن الكفارة جاءت بصورة مأساوية .. يظهر فيها معنى الاضطرار الإلهي واضحًا! ويغيب فيها معنى القدرة على مغفرة الذنب دون نزول ابن الله «الوحيد» ..!!
ومن عناصر هذا الخلل أيضًا: حَصْر أسماء الله -سبحانه- في ثلاثة فقط .. فذكروا أن الله: إله واحد حيٌّ ناطق، فالذات عندهم هي: الآب الذي هو ابتداء الاثنين، والنطق: هو الابن المولود منه كولادة النطق من العقل، والحياة هي الروح القدس، واستدلوا على ذلك بما ينسبونه للمسيح من أنه قال: (عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس) (متى 28: 19).
ومعلوم عندهم وعند سائر أهل الملل أن أسماء الله تبارك وتعالى متعددة كثيرة ..
قال الله في سورة الحشر: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحشر: 22-24].
وقال عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} [الأعراف: 180]. قال سبحانه: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110].
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة))[1]، وهذا معناه في أشهر قولي العلماء وأصحهما: أن من أسمائه تعالى تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، وإلا فأسماؤه -تبارك وتعالى- أكثر من ذلك، كما في الحديث الآخر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما أصاب عبدًا قط همٌّ ولا حزن وقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك -سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك- أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي؛ إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدل مكانه فرحًا)).
قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: ((بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن))[2].
فكمال ذات الله عز وجل وكمال صفاته مُوجِبٌ لتعدد أسمائه، وإذا كانت أسماء الله كثيرة -كالعزيز والقدير وغيرها- فالاقتصار على ثلاثة أسماء دون غيرها باطلٌ.
وكما ثبت الارتباط بين أسماء الله ونفي اتخاذه للولد بصفة عامة فقد ثبت الارتباط بين قضية عيسى ابن مريم وكل ما ورد من أسماء الله الحسنى على وجه التفصيل، من خلال السياقات القرآنية التي تناولت هذه القضية.
وكما كان الأمر عند النصارى كان عند الفرق الضالة فأصبح لكل فرقة خللها في تلك القضية
ومن هنا كثر الكلام عن هذه الفرق من ابن تيمية وهو يواجه ضلال النصارى في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح
حتى أنه فسر سورة الإخلاص ردا على النصارى والفرق في وقت واحد فقال
وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل فهم وسط في باب صفات الله عز وجل بين أهل الجحد والتعطيل وبين أهل التشبيه والتمثيل يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله من غير تعطيل ولا تمثيل إثباتا لصفات الكمال وتنزيها له عن أن يكون له فيها أندادا وأمثال إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل
كما قال تعالى ليس كمثله شيء
رد على الممثلة وهو السميع البصير
رد على المعطلة
وقال تعالى “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1 اللَّهُ الصَّمَدُ 2 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ 4″
فالصمد السيد المستوجب لصفات الكمال والأحد الذي ليس له كفو ولا مثال وهم وسط في باب أفعال الله عز وجل بين المعتزلة المكذبين للقدر والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه
فيعتبر أبن تيمية سورة الإخلاص رد على ضلال النصارى وضلال أهل البدع معهم
——————————————————————————–
[1] أخرجه البخاري (6957)، ومسلم (2677).
[2]أخرجه أحمد في المسند (3712، 4318)، والحاكم في المستدرك (1877)، وابن حبان في صحيحه (972).