تقديم كتاب هل ظهرت العذراء؟ للأستاذ ياسر جبر
بسم الله و الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ...
نحن الان في مصر وقت النكسة عام 67
وقت سقطت فيه الناصرية والإشتراكية معا
فاتجهت الجموع المسلمة إلى ربها لتبدأ فترة الصحوة الإسلامية
ولم يترك النصارى أصحاب الصحوة يسيطرون على الجماهير المتوجهة إلى الله دون مزاحمة
فكانت الفكرة التي يزاحمون بها و التي راقت للسياسيين الذين كانوا يحاولون إلهاء الشعب عن التفكير في النكسة .. هي ظهور العذراء
اجتمعت كل أسباب الفكرة لتصب في الحالة النفسية المتهدمة للشعب والقابلة لأي أكذوبة والتصديق بها
وكان التنفيذ الذي بدأ بمجرد الإعلان ودفع العناصر المشاركة في الخطة للناس واستثارتهم إلى مكان الأكذوبة المجهز ليكون جراج الزيتون الذي يتسع للأعداد الغفيرة لترى الهراء في الهواء عام 68
فكان الظهور زعما نصرانيا تقاطع مع معالجة سياسية لآثار النكسة بإسلوب نفسي مثير للفضول ومخفف للكبت والقهر الذي أنتجته تلك النكسة
ولكنه أيضا كان مثيرا لعدة تساؤلات أساسية
اليست نكسة 67 وإنتصار اليهود مصدر سعادة لنصارى الغرب الذين يزعمون حق اليهود في فلسطين فوقفوا بجانبهم حتى انتصروا
اليست نكسة 67 هي نفسها مصدر حزن نصارى الشرق الذين يزعمون وحدة المصير والموقف مع العرب والوطن
ولكن اليست العذراء لكل نصارى الشرق والغرب ؟؟
فما معنى ظهور العذراء ؟
هل كان عزاءا لنصارى الشرق المنهزم ؟
أم كان تهنئة لنصارى الغرب المنتصر ؟
هل كان الظهور عزاءا على حزن الهزيمة أم تهنئة على فرح الإنتصار؟؟
موقف لم يتحدد معناه حتى الآن ...
موقف أدخل السيدة العذراء في مشكلة سياسية لامخرج منها
ولكنه التناقض الذي إصطبغت به كل قضايا الدين المحرف
والحيل والمزاعم التي يتربى عليها أتباعه ويُكتب بها تاريخه
إبتداءا من وهم بولس الذي زعم رؤية المسيح في طريق دمشق
ومرورا برؤية قسطنطين شكل الصليب مع الشمس حيث بدأت أخطر مراحل المزج بين النصرانية والوثنية
كما قال ابن تيمية في الجواب الصحيح " وكذلك ما رآه قسطنطين من الصليب الذي رآه من نجوم، والصليب الذي رآه مرة أخرى هو مما مَثَّلَه الشياطين، وأراهم ذلك ليضلهم به، كما فعلت الشياطين ما هو أعظم من ذلك بعُبَّاد الأوثان.."
وقد وضحت دقة الرصد عند ابن تيمية من ذكره تكرار الرؤية مرتين وهو ما أثبته كتاب قصة الحضارة عند ذكر هذه الحادثة فقال: (أن قسطنطين حارب أعداءه وانتصر عليهم بعد أن زحف على روما بسرعة ونظام عسكري، وفي إحدى المعارك شاهد صليبًا ملتهبًا في السماء، وعليه عبارة معناها: «بهذه العلامة أنتصر»، وفي صباح اليوم التالي رأى قسطنطين فيما يرى النائم أن صوتًا يأمره بأن يرسم الجنود علامة الصليب على دروعهم، ففعل ذلك، وخاض معركة خلف لواء عرف باسم «اللبارم» رسم عليه الحرفين الأولين من لفظ «المسيح» يربطهما صليب).
وهكذا كان الصليب الذي جعلوه شعارًا مقدسًا لهم، على الرغم من أن الشعار المقدس الأول للنصارى كان هو السمكة، حيث وجد محفورًا على شواهد قبور المسيحيين الأوائل.
ويفسر الإمام ابن تيمية الظاهرة فيقول: والخوارق التي تضل بها الشياطين لبني آدم مثل تصور الشيطان بصورة شخص غائب أو ميت ونحو ذلك ضل بها خلق كثير من الناس من المنتسبين إلى المسلمين أو إلى أهل الكتاب وغيرهم " الجواب الصحيح - (ج 2 / ص 338)
ويقرر ابن تيمية القاعدة السلفية التي تحسم مادة الأحلام والأوهام والخوارق والظهورات كمدخل لتحريف دين الله..فيقول
اتَّفَقَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ طَارَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ مَشَى عَلَى الْمَاءِ لَمْ يُغْتَرَّ بِهِ حَتَّى يَنْظُرَ مُتَابَعَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوَافَقَتَهُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ....
فَإِنَّ هَذِهِ الْخَوَارِقَ تَكُونُ لِكَثِيرِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ وَتَكُونُ لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَتَكُونُ مِنْ الشَّيَاطِينِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ أَنَّهُ وَلِيٌّ لِلَّهِ ؛ بَلْ يُعْتَبَرُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ بِصِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيُعْرَفُونَ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ وَبِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ الْبَاطِنَةِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ ." مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 2 / ص 488)
ويبين ابن تيمية أن هذه الحيل نوعان فيقول : و(مثل ذلك كثير من حيل النصارى، فجميع ما عند النصارى المبدلين لدين المسيح من الخوارق إما حيل شيطانية، وإما حيل بهتانية، ليس فيها شيء من كرامات الصالحين)([1]).
ثم يذكر نماذج للحيل البهتانية " التي يصنعها النصارى " فيقول :
(وقد صنف بعض الناس مصنفًا في حيل الكهان، مثل الحيلة المحكية عن أحدهم في جعل الماء زيتًا، بأن يكون الزيت في جوفه المنارة، فإذا نقص صب فيها ماء؛ فيطفو الزيت على الماء، ويظن الحاضرون أن نفس الماء انقلب زيت
ومثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي يسمونها «الأيقونة » بصيدنايا([2])، وهي أعظم مزاراتهم بعد القيامة وبيت اللحم، حيث ولد المسيح وحيث قبر -في زعمهم- فإن هذه هي صورة السيدة مريم، وأصلها نخلة سقيت بالأدهان حتى سمنت وصار الدهن يخرج منها مصنوعًا، يظن أنه من بركة الصور
ومن حيلهم الكثيرة التي يظن عوامهم أنها تنزل من السماء في عيدهم في قمامة، وهي حيلة قد شهدها غير واحد من المسلمين والنصارى ورأوها بعيونهم، أنها نار مصنوعة يضلون بها عوامهم؛ يظنون أنها نزلت من السماء ويتبركون بها، وإنما هي صنعة صاحب مِحال وتلبيس).
والدين المحرف لايكون له وجود إلا بهذه الأساليب التي تعالج آثار غيبة الحق بعد تبديل الدين ليحل التأثر بالوهم محل حلاوة الإيمان وبرد اليقين
ولا تزال حيلهم مستمرة حتى الآن، وإن تطورت تبعًا لتطور علوم التقنية
والدين الصحيح هو الحماية من كل هذه الآثار
وذلك عندما تكون العقيدة الفطرية البسيطة السهلة والشريعة الإنسانية الكاملة والمنهج الثابت المحكم
عندما يكون الدين... هو الإسلام
كتبها/ الشيخ رفاعي سرور
([1]) كتاب «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» فصل حيل الرهبان.
([2])وصيدنايا قرية سورية بها دير أثري ينسب للإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس الأول.